صديق الحسيني القنوجي البخاري
23
فتح البيان في مقاصد القرآن
صلى اللّه عليه وسلم ، حتى رضوا بالجلاء قال الكلبي : كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب ، ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب ، وكان جلاؤهم أول حشر من المدينة ، وآخر حشر إجلاء عمر لهم . وقيل : إن أول الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر ، وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام ، وقيل : آخر الحشر هو حشر جميع الناس إلى أرض المحشر وهي الشام ، قال عكرمة : من شك أن الحشر يوم القيامة في الشام فليقرأ هذه الآية ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال لهم : اخرجوا ، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى أرض المحشر ، وعن ابن عباس مثله ، قال ابن العربي : للحشر أول وأوسط وآخر ، فالأول إجلاء بني النضير ، والأوسط إجلاء أهل خيبر ، والآخر حشر يوم القيامة . وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير ، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري فقال : هم بنو قريظة وهو غلط ؛ فإن بني قريظة ما حشروا ، بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه ، فحكم عليهم بأن يقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ، وتغنم أموالهم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لسعد : « لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة » « 1 » . وقد أخرج الحاكم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت « كانت غزوة بني النضير ، وهم طائفة من اليهود ، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر ، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة ، فحاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء ، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة ، يعني السلاح ، فأنزل اللّه فيهم : سَبَّحَ لِلَّهِ إلى قوله : لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ، فقاتلهم النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى صالحهم على الإجلاء وأجلاهم إلى الشام ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا ، وكان اللّه قد كتب عليهم ذلك ، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي » ، وأما قوله : لِأَوَّلِ الْحَشْرِ فكان إجلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام . وعن ابن عباس قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم ، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم ، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم ، وأن يسيروا إلى أذرعات الشام ، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا هذا خطاب للمسلمين أي ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم لعزتهم ومنعتهم ، وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة ، وعقار ونخيل واسعة ، وأهل عدد وعدة .
--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الجهاد باب 168 ، والمغازي باب 30 ، ومناقب الأنصاب باب 12 ، والاستئذان باب 26 ، ومسلم في الجهاد حديث 65 ، وأحمد في المسند 3 / 22 ، 6 / 142 .